عبد القادر الجيلاني
77
فتوح الغيب
--> - يرد ما يحبّه اللّه ورسوله ، أراد ما لا يحبّه اللّه ورسوله ، لكن إذا جاهد نفسه على ترك ما تهواه [ في نسخة : يهواه ] بقي مريدا لما يظن أنه مأمور به ، فيكون ضالّا . فإن هذا يشبه حال الضّالّين من النصارى ، وقد قال تعالى : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ( 6 ) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ . وقد قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « اليهود مغضوب عليهم ، والنصارى ضالّون » [ أحمد ( 4 / 378 ) ] . فاليهود لهم إرادات فاسدة منهيّ عنها ، كما أخبر عنهم بأنهم عصوا وكانوا يعتدون . وهم يعرفون الحق ولا يعملون به ، فلهم علم ، لكن ليس لهم عمل بالعلم ، وهم في الإرادة المذمومة المحرّمة يتّبعون أهواءهم ، ليسوا في الإرادة المحمودة المأمورة بها ، وهي إرادة ما يحبه اللّه ورسوله . والنصارى لهم قصد وعبادة وزهد ، لكنهم ضلّال ، يعملون بغير علم ، فلا يعرفون الإرادة التي يحبّها اللّه ورسوله ، بل غاية أحدهم تجريد نفسه عن الإرادات ، فلا يبقى مريدا لما أمر اللّه به ورسوله ، كما لا يريد كثيرا ممّا نهى اللّه عنه ورسوله ، وهؤلاء ضالّون عن مقصودهم ، فإن مقصودهم إنما هو في طاعة اللّه ورسوله ، ولهذا كانوا ملعونين - أي : بعيدين عن الرحمة التي تنال بطاعة اللّه عزّ وجلّ - . والعالم الفاجر : يشبه اليهود . والعابد الجاهل : يشبه النصارى . ومن أهل العلم من فيه شيء من الأول ، ومن أهل العبادة من فيه شيء من الثاني . وهذا الموضع تفرّق فيه بنوا آدم ، وتباينوا تباينا عظيما ، لا يحيط به إلا اللّه ، ففيهم من لم يخلق اللّه خلقا أكرم عليه منه ، وهو خير البريّة ، ومنهم من هو شر البريّة ، وأفضل الأحوال فيه حال الخليلين : إبراهيم ومحمد - صلى اللّه عليهما وسلم - ، ومحمّد سيّد ولد آدم ، وأفضل الأوّلين والآخرين ، وخاتم النبيين وإمامهم إذا اجتمعوا ، وخطيبهم إذا وفدوا ، وهو المعروج به إلى ما فوق الأنبياء كلهم : إبراهيم وموسى ، وغيرهما . وأفضل الأنبياء بعده : إبراهيم ، كما ثبت في الصحيح [ م ( 2369 ) ] عن أنس ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « إن إبراهيم خير البريّة » . وقد ثبت في صحيح مسلم [ 867 ] عن جابر ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه كان يقول في خطبة الجمعة : « خير الكلام كلام اللّه ، وخير الهدي هدي محمّد » . وكذلك كان عبد اللّه بن مسعود يخطب بذلك يوم الخميس ، كما رواه البخاري في صحيحه [ 5747 ] . وقد ثبت في الصحيحين [ خ ( 3367 ) وم ( 2328 ) ] عن عائشة - رضى اللّه عنها - أنها قالت : ما ضرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم خادما له ، ولا امرأة ، ولا دابة ، ولا شيئا قط ، إلا أن يجاهد في سبيل اللّه ، وما نيل منه قطّ شيء فانتقم لنفسه ، إلا أن تنتهك محارم اللّه ، فإذا انتهكت محارم اللّه لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم للّه . وقال أنس [ م ( 2309 ) ] : خدمت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عشر سنين ، فما قال لي : أفّ قط . وما قال لي لشيء فعلته : لم فعلته . ولا لشيء لم أفعله : لم لا فعلته . وكان بعض أهله إذا عنّفني [ في نسخة : عتبني ] على شيء قال : « دعوه فلو قضي شيء لكان » . ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم هو أفضل الخلائق ، وسيّد ولد آدم ، وله الوسيلة في المقامات كلها ، ولم يكن حاله أنه لا يريد شيئا ، ولا أنه يريد كل واقع ، كما أنه لم يكن حاله أنه يتّبع الهوى ، بل هو منزّه عن هذا وهذا . قال اللّه تعالى : وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ( 3 ) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [ النجم : 3 - 4 ] . وقال -